مجد الدين ابن الأثير

322

المختار من مناقب الأخيار

واحترق ، وهو شبيه بالواله الحيران . فسلّمت عليه ، فردّ السلام ، وبقي شاخصا يقول : أعميت عيني عن الدّنيا وزينتها * فأنت والرّوح شيء غير مفترق إذا ذكرتك وافى مقلتي أرق * من أوّل الليل حتى مطلع الفلق وما تطابقت الأجفان عن سنة * إلّا رأيتك بين الجفن والحدق ثم قال : يا ذا النون ، مالك ولطلب المجانين ؟ قلت : أو مجنون أنت ؟ قال : قد سمّيت به . فقلت : مسألة . فقال : سل . قلت : أخبرني ما الذي حبّب إليك الانفراد ، وقطعك عن المؤانسين ، وهيّمك في الأودية ؟ فقال : حبّي له هيّمني ، وشوقي إليه هيّجني ، ووجدي به أفردني . ثم قال : يا ليت شعري يا فتى إلى متى * تتركني مقلقلا في محنتي « 1 » فقلت له : أخبرني أين محلّ الحبّ منك ، وأين مسكن الشّوق فيك ؟ فقال : مسكن الحبّ سواد الفؤاد . قلت : فما الذي تجد في خلوتك ؟ قال : الحقّ سبحانه . فقلت كيف تجده ؟ قال : بحيث لا حيث ، ثم قال : يا ذا النون ، أعجبك كلام المجانين ؟ قلت : إي واللّه وأشجاني . ثم قلت له : ما صدق وجدانك للحقّ تعالى ؟ فصرخ صرخة ارتجّ لها الجبل ، ثم قال : يا ذا النون ، هكذا موت الصادقين . ثم سقط إلى الأرض ميتا . فتحيّرت في أمره لا أدري ما أصنع به ، وإذا به قد غاب عنّي فلا أدري أين ذهب « 2 » . رحمة اللّه عليه ورضوانه . * * *

--> ( 1 ) في صفة الصفوة 4 / 345 ، وفي ( ب ) البيت جعل نثرا ، وبدل « محنتي » : « محبّتي » . ( 2 ) صفة الصفوة 4 / 344 ، روض الرياحين 104 ( حكاية 30 ) .